«

»

أبريل 05

Print this مقالة

العراق و إتفاقية قانون إستخدام المجاري المائية الدولية في الاغراض غير الملاحية لعام ١٩٩٧

تمهيد لابد منه

بالرغم من إن الطريق نحو تغيير موقف المفاوض العراقي في قضايا المياه المشتركة من السلبية لحد قد يصل الى التفريط بالحقوق، الى الدفاع الصلب والمدروس وعلى أسس القانون الدولي، مايزال طويلا جداً. لكن يمكن القول أن هنالك تحول إيجابي مهم، فالموضوع الذي نُشر في آذار ٢٠١٧ حول إشارة السيد وزير الموارد المائية العراقي لسد اليسو (١)، أوجد نقاش غير مسبوق خصوصا بين الشباب المهتم بالموضوع وعدد من ذوي الصلة وبينهم الوزير نفسه.
وورد ضمن النقاش إستفسار مهم من أحد الزملاء المتابعين مفاده : لماذا أشار الموضوع المنشور للعرف الدولي على سبيل المثال ولم يشر لإتفاقية عام ١٩٩٧ ، هل لأنها تعتبر أقل أهمية أم لأنها غير ملائمة لموقف عراقي صلب؟
في الحقيقة الإستفسار هذا في محله. وبدلاً من التبرير او الاحالة لما كتب أو نشر من قبل، قررت ان أساهم بتقديم موضوع سهل القراءة حول هذه الاتفاقية هدفه إدامة زخم إهتمام الشباب بالموضوع.

أهمية إتفاقية قانون إستخدام المجاري المائية الدولية في الاغراض غير الملاحية لعام ١٩٩٧

يحضرني تصريح لأحد المشتغلين في السياسة العراقية اليوم، قال فيه أن أنهار العراق “ستُنقذ” مع دخول اتفاقية عام ١٩٩٧ حيز النفاد. وكم اتمنى أن يُسمِعَنى هذا السياسي صوته اليوم، فها قد مر حوالي ثلاثة أعوام على دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، لُيخبرنا كيف إستثمرها هو ومن معه في موقع المسؤولية!
لكن هذا بطبيعة الحال لا يمثل جواباً لسؤال قائم: هل يا تُرى اتفاقية عام ١٩٩٧ مهمة بشكل عام وهل للعراق أن يستفيد منها؟

للإجابة عن هذا التساؤول من الافضل أن نعود أولاً الى ماقبل إقرار هذه الاتفاقية. والى مايسمى بالقانون الدولي، فابتداءاً يجب ان ننتبه ان للقانون الدولي بشكل عام مصادر مختلفة، وأبرزها أربعة مصادر هي (٢):

1) الاتفاقات الدولية، وهي اتفاقات عادة ماتضع قواعداً معترفاً بها صراحة من جانب دولتين او اكثر وقد تكون محددة بموضوع معين او قد تاتي في إطار عام،
2) الاعراف الدولية المرعية، وهي ما تواتر إستعماله من الدول حتى أصبح بمثابة قانون غير مكتوب
3) مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتمدنة وان لم تكن مكتوبة
4) أحكام المحاكم المعتبره ومذاهب كبار المؤلفين المعتبرين في القانون عند مختلف الأمم. ويعتبر هذا مصدراً احتياطياً لقواعد القانون الدولي.

وهذه نفسها مصادر القانون الدولي حول المياه العذبة. ولزمن طويل ظل الماء العذب المورد الطبيعي الرئيسي الوحيد الذي لا تحكمه إتفاقية دولية متخصصة، ولذلك كان يعتمد وبشكل عام على العرف الدولي(٣).
وانشغلت الامم المتحدة ومنذ وقت مبكر بمسألة تدوين اهم القواعد والاعراف الحاكمة للمجاري المائية الدولية- مصدر المياه العذبة- كالأنهار والبحيرات والمياه الجوفيه وغيرها.

و في أواخر العام ١٩٧٠ كلفت الامم المتحدة لجنة القانون الدولي، وهي الجهاز المعني بتدوين القواعد الدولية في مختلف المجالات، بأن تقوم بدراسة القواعد والقوانين التي تحكم العلاقات الدولية في مجال المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية بغية تطويره تدريجياً وتدوينه (٤).

فكان على هذه اللجنة أن تدرس إرثاً دولياً كبيراً يعود قسم منه للعام ١٨١٤ ويتوزع على اكثر من ١٤٥ اتفاقية دولية ذات صلة (٥)، بالاضافة الى القواعد والمبادئ التي تضمنتها الاعلانات والقرارات الدولية التي اصدرتها معاهد متخصصة مثل معهد القانون الدولي ورابطة القانون الدولي، مثل قواعد هلسنكي للعام ١٩٦٦ على سبيل المثال لا الحصر.

والاصعب من مراجعة هذا الارث هو ما كان متعلق بمهمة لجنة القانون الدولي في ان تباشر بتدوين هذا الارث في وثيقة مقبولة لتكون اتفاقية مرجعية دولية في هذا الموضوع. بالفعل، كانت عملية التدوين والنقاش عملية مضنية، إمتدت على مدار عشرين عام، الى أن وصلت الذروة في عرض نص إتفاقية سميت “إتفاقية قانون إستخدام المجاري المائية الدولية في الاغراض غير الملاحية” على الجمعية العامة للامم المتحدة و من ثم اعتمادها في 21 أيار/ مايو ١٩٩٧.

ولكن هل اهمية الاتفاقية تتآتى فقط من المجهود الكبير الذي بذل من أجل التوصل لها، أو من كونها الاولى من نوعها؟ ترى لو طلب منا ان نعدد اهم خمسة اسباب لأهمية هذه الاتفاقية ماذا يمكن ان ندرج؟ في الحقيقة جل هدفي من هذا الموضوع هو طرح النقاط التالية كمصادر قوة رئيسية لهذه الوثيقة:

1) هذه الاتفاقية عبارة عن تدوين لقواعد القانون الدولي والاعراف الدولية التي تحكم استخدام المجاري المائية الدولية، ليست إتفاقية لخلق قواعد من العدم، بل لتدوين ما وجد وتنظيمه ومناغمته (٦)، وتطويره في اتفاقية اطارية تضع المبادئ العامة (وليس التفاصيل) حول ادارة المجاري المائية الدولية المشتركة.

2) انها اتفاقية عالمية متخصصة، هي ليست اتفاق بين دولتين أو عشرة ولا حتى خمسة وثلاثون! هي اتفاقية تحكم كل المجاري الدولية في العالم اجمع، وهي بذلك اقرب لاتفاقيات ومعاهدات حقوق الانسان. فمثلا حقوق المراة تجدها في اتفاقية مناهضة التمييز ضد المراة، حتى اذا لم تصدق دولة ما على تلك الاتفاقية، فليس لها ان تتجنب اثر هذه الاتفاقية على كل حال. ذلك يجعل للدول المختلفة مصلحة في ان يتم احترام هذه الاتفاقية. بكلمة اخرى في حال قيام دولة ما عضو في هذه الاتفاقية بخرقها، فإن هذا الخرق يضر بمصالح ألاعضاء الاخرين بشكل عام. بل انني اذهب هنا الى حد ابعد وهو ان للدول الاعضاء في هذه الاتفاقية مصلحة كبيرة بان لا يتم خرق الاتفاقية من اي طرف كان وان لم يكن عضوا في الاتفاقية نفسها كما هو الحال مع تركيا وايران.

3) هذه الاتفاقية هي الاولى من نوعها وهي اليوم المرجعية الدولية لموضوع المياه الدولية غير الملاحية، وتمثل العرف الدولي السائد في هذا المجال

4) العراق عضو في هذه الاتفاقية منذ عام ٢٠٠١، ويورد العراق في الاسباب الموجبة لانظمامه لهذه الاتفاقية التالي “ولان هذه الاتفاقية تعتبر من اهم اعمال الامم المتحدة في مجال الانهار الدولية، ولان الانضمام الى هذه الاتفاقية يضمن حقوق العراق المائية في الانهر المشتركة”(٧). كذلك فان سوريا دولة المجرى الثانية في نهري دجلة والفرات، عضو في هذه الاتفاقية(٨).

5) هذه الاتفاقية عبارة عن ثمرة نقاش طويل بين الدول المختلفة وتم التصويت عليها فقط بعد ان توصلت الى نص ممكن ان يتم قبوله من غالبية عظمى من بلدان العالم المخلتفة بما فيها بلدان كبرى. فعندما عرضت الاتفاقية على التصويت في الجمعية العامة للامم المتحدة عام ١٩٩٧ صوت عليها بالإيجاب مئة وثلاثة دول بينها دول كبرى، بينما صوت ضدها فقط ثلاُث دوٍل هم كل من ( تركيا والصين و بوروندي) و امتنع سبعة وعشرون دولة عن التصويت(٩).

ولكل ماتقدم من اهمية لهذه الاتفاقية، فقد اتفق على ان تودع بستة لغات معتمدة ومتساوية الحجية كما نصت المادة ٣٧؛ هذه اللغات هي آلإنكليزية، الاسبانية، الصينية، الروسية، العربية، والفرنسية.

كما اتفق على ان توضع لهذه الاتفاقية سقف و شرط لتدخل حيز النفاذ وتصبح فعالة. هذا الشرط تحدده المادة ٣٦ من نفس الاتفاقية. وتحدد هذه المادة التي عنوانها (بدء النفاد) على ان الاتفاقية تدخل حيز التنفيذ فقط بعد مرور ٩٠ يوم على انضمام ٣٥ دولة.
وعلى القارئ الانتباه فان التصديق أو القبول أو الموافقة أو الانضمام، ليس عودة لموضوع التصويت على الاتفاقية الذي انتهينا منه عام ١٩٩٧، بل هو موضع مختلف(١٠).
هو طلب للدول الراغبة بالانضمام بأن توقع ومن ثم تصادق وتضع صك المصادقة لدى الامين العام للامم المتحدة(١١) لتكون بذلك ملزمة وبشكل مباشر بأحكام هذه الاتفاقية. وهذا كما تتصورون يتطلب وقت وكذلك قناعة من الدول بأنها راغبة ان تضع نفسها تحت سلطة هذه الاتفاقية وان تكون ملزمة لها. وهو ما اخر نفاذ الاتفاقية لسنوات طويلة، امتد قرابة ١٧ عاماً لتضاف فوق العشرين عام التي استغرقتها عملية كتابة هذه الاتفاقية.
قامت خلال هذه الفترة عدد من المنظمات الدولية بحملات مناصرة لحث الدول على التصديق اهمها حملة المنظمة العالمية الكبيرة “الصندوق العالمي للطبيعة” (WWF) (١٢)، كذلك بذلت بعض الدول جهود دبلوماسية لاقناع دول للانضمام للوصول الى الحد المطلوب.
حدثني الخبير العربي-العالمي المختص الدكتور سلمان محمد احمد (١٣)، بأن دور الخبراء والافراد والمنظمات في الترويج لهذه الاتفاقية كان حاسماً في انظمام دول كثيرة ، وبالتالي دخول الاتفاقية حيز النفاد. وهذا درس للافراد والمهتمين في العراق بان الدول ليست الجهة الوحيدة المعنية في حمايه الانهار المشتركة ومجاري المياه الدولية، وبان النضال الطويل لابد ان يجلب ثمار حتى وان طال الزمن.

فقط في ١٩ أيار/ مايو من عام ٢٠١٤ اكتمل العدد المطلوب من وثائق التصديق والقبول والموافقة على الاتفاقية، والبالغ خمسة وثلاثين صكاً ضمنها دول كبرى مثل(بريطانيا، فرنسا، المانيا، ايطاليا، اسبانيا وغيرها)(١٤). وفي تاريخ ١٧ آب/أغـسـطـس عــام ٢٠١٤، أي بعد تسعين يـومـاً مـن تـاريـخ الصك الخامس والثلاثين(اودعته الفيتنام)، بدء نفاد الاتفاقية. وهكذا أصبح للمجاري المائية الدولية اتفاقيٌة تحكم استخداماتها وحمايتها وإدارتـهـا(١٥).
يتبع

“دعوة للأعزاء المهتمين والراغبين بالتعليق او النقد او الاستفسار، مراسلة الكاتب على هذا العنوان الالكتروني : ismaeel.dawood@gmail.com”

———————————————-
الهوامش :
(١) للاطلاع على الموضوع : http://www.almubadarairaq.org/?p=4023
(٢) انظر الفقرة ٣٨ من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية http://www.icj-cij.org/homepage/ar/icjstatute.php
(٣) سلمان محمد أحمد سلمان، خبير عربي من السودان، باحث أكاديمي وخبير في قوانين المياه وسياساتها، وزميل في الجمعية الدولية لمصادر المياه.
(٤) قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 2669 )د-25، والمعنون “التطوير التدريجي لقواعد القانون الدولي المتعلقة بالمجاري المائية الدولية وتدوينها” ، 8 كانون الأول/ ديسمبر 1970.
(٥) Transboundary water management, Prof. Dr. Jan Leentvaar , UNESCO-IHE
(٦) انظر ما مدى تجسيد الاتفاقية للقانون الدولي العرفي، ستيفن ماكافري، المجاري المائية الدولية، دراسة فنية رقم ٤١٤ صادرة عن البنك الدولي، ١٩٩٩، ص ٣٦
(٧) راجع قانون ٣٩ قانون انظمام جمهورية العراق للعام ٢٠٠١
(٨) قائمة الدول الاعضاء بالاتفاقية لغاية نشر هذه المقالة
(٩) قرار الجمعية العامة للامم المتحدة بالرقم A/RES/51/229 الثامن من تموز من عام ١٩٩٧
(١٠) للراغب في التعرف اكثر عى الفرق بين اقرار اتفاقية وبين التوقيع وبين الانضمام او المصادقة العودة الى اتفاقية فينا لقانون المعاهدات للعام ١٩٦٩
(١١) المادة ٣٥ من الاتفاقية
(١٢) مايزال بالامكان زيارة الموقع الالكتروني لحملة المناصرة والمخصص لهذه الاتفاقية، متوفر هنا : http://www.unwatercoursesconvention.org
(١٣)Dr. Salman M. A. Salman is the Editor-in-Chief of Brill Research Perspectives, International Water Law; a Fellow, International Water Resources Association (IWRA), and an academic researcher and consultant on water law and policy, see more : http://www.salmanmasalman.org
(١٤) المعلومات هنا ممكن ان تتغير مع مرور الزمن وانضمام بلدان اخرى. انظر الجدول الخاص بعدد الدول المنضمة او التي وقعت، متوفر على صفحة https://treaties.un.org/pages/ViewDetails.aspx?src=TREATY&mtdsg_no=XXVII-12&chapter=27&clang=_en
(١٥) الأقطار العربية واتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية، سلمان محمد أحمد سلمان، خبير عربي من السودان، باحث أكاديمي وخبير في قوانين المياه وسياساتها، وزميل في الجمعية الدولية لمصادر المياه.

Permanent link to this article: http://iraqsf.org?p=1809